فخر الدين الرازي

184

تفسير الرازي

التأويل ، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية * ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ) * ( آل عمران : 70 ) فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين * ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) * ( آل عمران : 105 ) . ثم قال ههنا * ( أكفرتم بعد إيمانكم ) * فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار ، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول : قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني : قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث : قال الحسن : الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع : قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس : قيل هم الخوارج ، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم : " إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية ، ولأنه تخصيص لغير دليل ، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر البتة . السؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله * ( أكفرتم ) * ؟ . الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار ، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله * ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ) * ( آل عمران : 98 ، 99 ) . ثم قال تعالى : * ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * . وفيه فوائد الأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه ، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً الثانية : قال القاضي قوله * ( أكفرتم بعد إيمانكم ) * يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله * ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * الثالثة : قالت المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر ، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر . ثم قال تعالى : * ( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟ . الجواب : قال ابن عباس : المراد الجنة ، وقال المحققون من أصحابنا : هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل ؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع